»نشرت فى : الاثنين، 9 مايو 2016»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

فرضيات "الموقف الغامض" للإدارة الأمريكية من الصحراء المغربية

فرضيات "الموقف الغامض" للإدارة الأمريكية من الصحراء المغربية

فرضيات "الموقف الغامض" للإدارة الأمريكية من الصحراء المغربية
عبّرت السلطات المغربية عن خيبة أملها في الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة الأمريكية من الصحراء. وقالت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، في بيان عممته على وسائل الإعلام بُعَيْد تبني القرار 2285، إن "المملكة تأسف لكون عضو مجلس الأمن الذي يتحمل مسؤولية صياغة وتقديم المشروع الأول للقرار أدخل عناصر ضغط، واكراهات وإضعاف، وتصرف بما يعاكس روح الشراكة التي تربطه بالمملكة المغربية".
وتتحمل الولايات المتحدة الأمريكية دور صياغة مشروع قرار مجلس الأمن حول الصحراء. وبهذه الصفة، فإنها تقوم بإعداد عناصر مشروع القرار الذي تقدمه إلى باقي أعضاء مجموعة أًصدقاء الصحراء الغربية (وهي فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا وإسبانيا)، قبل أن تقدمه إلى باقي أعضاء مجلس الأمن للبت فيه واعتماده.
لكن في الوقت الذي طالما عبّرت فيه الولايات المتحدة عن عدم تغيّر موقفها من النزاع وعن كون خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب تعد بالنسبة لها خطة "جدية، وواقعة وذات مصداقية"، فإن الطريقة التي أُجريت بها المفاوضات بخصوص مشروع قرار هذه السنة تُظهر مدى ازدواجية خطابها تجاه النزاع.
وهناك سببان رئيسيان وراء خيبة أمل المغرب في ازدواجية معايير الولايات المتحدة. الأول من حيث الشكل والثاني من حيث المضمون. فبخصوص الأول: قامت بعثة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وعلى عكس ما كانت عليه العادة سابقا، بتقديم مشروع القرار إلى مجموعة أصدقاء الصحراء دون التشاور مع المغرب. وهذا ما دفع سفير المغرب لدى الأمم المتحدة، السيد عمر هلال، إلى التعبير عن عدم رضاه عن تحرك الولايات المتحدة.
أما بخصوص السبب الثاني، فإن مشروع القرار الأولي كان يتماشى إلى حد كبير مع فقرات تضمنها التقرير السنوي لبان كي مون حول الصحراء، وهو التقرير الذي اتهم فيه المغرب بعرقلة ولاية بعثة المينورسو بعد قراره طلب مغادرة المكون المدني للصحراء.
وما عمق إحساس الرباط بخيبة الأمل هذه هو أن المسودة الأولى من مشروع القرار تطرقت لقرار المغرب القاضي بمغادرة المكون المدني لبعثة المينورسو للصحراء دون التطرق إلى أسبابه. والواقع هو أن الولايات المتحدة تغاضت عن أن السبب الرئيسي للخلاف بين المغرب والأمانة العامة للأمم المتحدة هو بيان بان كي مون المنحاز الذي أصدره في الجزائر في مارس الماضي، والذي وصف فيه وجود المغرب في الصحراء بـ"الاحتلال".
وبالإضافة إلى ذلك، تضمنت مسودة مشروع القرار الأولى إجراءات ملزمة ضد المغرب كان من شأنها، لو تم اعتمادها، أن تضع المغرب تحت الضغط والتهديد باتخاذ مزيد من الإجراءات والتدابير الزجرية. وأكدت تلك المسودة على ضرورة العودة الفورية للمينورسو للاضطلاع بكامل وظائفها، مما يتعارض مع الموقف الذي دافع عنه المغرب.
كما أن مسودة القرار تضمنت فقرة جديدة تنص على أن "يُطلِع الأمين العام مجلس الأمن في غضون 60 يوما حول ما إذا كانت بعثة المينورسو قد عادت إلى كامل وظيفتها، وأن يُعبّر عن عزمه على اتخاذ خطوات فورية لتسهيل اضطلاع بعثة المينورسو بكامل مهامها إن هي فشلت في بلوغ هذا الهدف".
ويعود الفضل لفرنسا وإسبانيا اللتين بذلتا جهدا كبيرا أسفر، أخيرا، عن تليين وتلطيف لغة مشروع القرار؛ بحيث لا ينص على أي إجراءات عقابية ضد المغرب. ورغم أن مشروع القرار النهائي يؤكد على ضرورة عودة بعثة المينورسو إلى مزاولة كامل وظائفها، إلا أنه لا يحدد أي إطار زمني مُلزم للمغرب، ولا ينص على أي إجراءات قسرية في حالة ما إذا أخل المغرب بالتزاماته حيال القرار.
وبالإضافة إلى ذلك، طلب القرار من الأمين العام أن يقدم تقريرا إلى مجلس الأمن في غضون 90 يوما (بدل 60 يوما كما كان الأمر في مشروع القرار الأولي) حول ما إذا كانت بعثة المينورسو قد عادت إلى كامل ولايتها دون أن يتضمن أي إجراءات فورية في حالة ما إذا رفض المغرب العودة الكاملة للمكون المدني لبعثة المينورسو. وتفسر اللغة التي اعتمدها مشروع القرار 2285 سبب تصويت فنزويلا والأوروغواي ضده، وسبب إعرابهما عن استيائهما عندما حاولا تبرير تصويتهما.
الهوة بين التصريحات والأفعال في سياسة الولايات المتحدة تجاه ملف الصحراء
خيبة أمل المغرب في موقف الولايات المتحدة لها ما يبررها لأنها تأتي بعد التصريحات الكثيرة التي أطلقها مسؤولون أمريكيون تعكس تمسكهم بالموقف التقليدي الداعم للمغرب. ففي خضم الخلاف الذي احتد بين المغرب وبان كي مون في مارس الماضي، وبينما عبّر المغاربة عن استيائهم لميل الولايات المتحدة إلى موقف بان كي مون خلال اجتماعات مجلس الأمن، أرسلت واشنطن إشارات كثيرة لطمأنة المغرب وتأكيدها على عدم تغير موقفها من النزاع.
في البداية أطلقت الولايات المتحدة تصريحا من خلال تغريدة كورتيس كوبر، المتحدث باسم بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. ففي التغريدة التي أطلقها كوبر يوم الأحد 20 مارس، قال إن واشنطن تعتبر خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب خطة "جدية، واقعية وذات مصداقية ويمكن أن تكون المقاربة التي من شأنها تلبية تطلعات سكان الصحراء الغربية"، وتم تكرار التصريح نفسه بعد ذلك من طرف سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الرباط، السيد دوايت بوش، وذلك في استجواب حصري خص به وكالة المغرب العربي للأنباء.
وبعد أيام قليلة، تحديدا يوم الأربعاء 23 مارس، جرت مكالمة هاتفية بين الملك محمد السادس وكاتب الدولة الأمريكي في الخارجية جون كيري؛ حيث أخبر الملك بأن موقف الولايات المتحدة من النزاع لم يطرأ عليه أي تغيير ولازال ملتزما بالإطار المتفَق عليه بين الملك محمد السادس والرئيس باراك أوباما شهر نونبر 2013 في واشنطن. وأضاف كيري أن "الحوار بين الدولتين (المغرب والولايات المتحدة) سيستمر للوصول إلى حل نهائي لهذا النزاع الإقليمي".
وتم التأكيد على الموقف نفسه خلال اجتماع مغلق لمجلس الأمن يوم الخميس 7 أبريل قدم خلاله هيرفي لادسوس، وكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام، تقريرا حول آخر تطورات أنشطة بعثة المينورسو بعد أن قرر المغرب طلب مغادرة مكونها المدني. فخلال الاجتماع، قالت ممثلة الولايات المتحدة، سامانثا باور، إن "خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب تعد مقاربة من شأنها أن تلبي تطلعات سكان الصحراء الغربية"، مضيفة، في الوقت نفسه، أن وفدها يواصل الدعوة إلى عودة المكون المدني لبعثة المينورسو إلى الصحراء الغربية.
احتمال وجود وجهات نظر متضاربة داخل الإدارة الأمريكية بخصوص ملف الصحراء
ما يثير الصدمة حقيقة عندما يحلل الإنسان كيف أدارت الولايات المتحدة المفاوضات التي أسفرت عن اعتماد مجلس الأمن للقرار 2285، هو الهوة الكبيرة بين ما عبر عنه المسؤولون الأمريكيون صراحة لسنوات عديدة وموقفهم الفعلي الذي عبروا عنه في مسودة مشروع القرار الأولى. ويظهر أن الحوار الذي ذكره جون كيري بين المغرب والولايات المتحدة قد تم تكسيره عندما قرر وفد الولايات المتحدة تقديم مسودة مشرع القرار دون مشاورة المغرب. وكان هذا واضحا عندما تجنب أعضاء الوفد الأمريكي الاتصال بنظرائهم المغاربة قُبَيْل تقديمهم مسودة القرار إلى مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية.
بالإضافة إلى ذلك، تم تقديم مسودة القرار الأولى يوم الاثنين 25 أبريل بينما كان وزير الخارجية المغربي، السيد صلاح الدين مزوار، في طريقه إلى واشنطن لملاقاة المسؤولين الأمريكيين. وهذا يعني أن المسؤولين الأمريكيين الذين قرروا المضي قدما بمسودة القرار الأولى أسرعوا في تقديمها دون أن ينتظروا معرفة خلاصات لقاء صلاح الدين مزوار بنظرائه الأمريكيين في واشنطن.
إن تحرك الولايات المتحدة يمكن تفسيره بالاعتماد على فرضيتين: إما أن التصريحات التي طالما أدلى بها المسؤولون الأمريكيون هي مجر ذر للرماد في العيون الهدف منها محاباة المسؤولين المغاربة ليس إلا، أو أن هناك مواقف متضاربة داخل الإدارة الأمريكية، وهو ما يجعلها تتأرجح بين موقفين متناقضين دون اعتماد موقف واضح من النزاع.
في نظري، في الوقت الذي ليس فيه أي شك أن المغاربة لا يمكنهم توقع دعم واضح من الإدارة الأمريكية الحالية، فإن الفرضية التي يمكن أن تفسر التضارب الواضح بين الأقوال والأفعال في السياسة الأمريكية حيال النزاع هي وجود مواقف متضاربة على أعلى مستوى داخل الإدارة الأمريكية. هنا، أود أن أشير إلى أن مستشارة الأمن القومي للرئيس أوباما منذ يونيو 2013 هي سوزان رايس.
ويعرف الملاحظون أن سوزان رايس هي من كانت وراء مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2013 إلى مجلس الأمن، والذي طالب، ولأول مرة، بتوسيع مهام بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء ومخيمات تندوف. وتم حينذاك تداول شائعة اتخاذ سوزان رايس للقرار دون التشاور مع واشنطن.
الآن، وبعد الاستفادة من مسافة الزمن، فإن معرفة السبب تبطل العجب كما يقال. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن سوزان رايس كانت الاختيار الأول لأوباما لتعويض هيلاري كلينتون على رأس وزارة الخارجية، وكذلك تأثير مستشارة الأمن القومي في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية، فإن فكرة أن سوزان رايس هي من قام باتخاذ مبادرة تقديم مسودة القرار المثيرة للجدل تبدو هي الأكثر احتمالا والأقرب إلى تفسير ما يقع.
وبناءً على هذه الفرضية، فالراجح هو أن موقف الولايات المتحدة المُعَبّر عنه في مشروع قرار هذه السنة والضغط غير المسبوق الذي وضعه على المغرب أملته سوزان رايس من خلال الدور الكبير الذي تلعبه داخل دوائر القرار الأمريكي، وليس وزارة الخارجية الأمريكية. ففي مقال قمت بنشره في يونيو 2013، توقعت فيه كيف أن تنصيب سوزان رايس مستشارة في الأمن القومي سيؤثر سلبا على المغرب في علاقته مع الولايات المتحدة.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة الخميسات36 2014 - 2015